محمد غازي عرابي
737
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والآية تذكر بأنه لا بد من الاعتراف بوجود الخلق ، وآية وجود هذا الخلق الماء المنزل من السماء الذي أنبت حدائق ذات بهجة ، وتفسير الماء العلم ، والحدائق نتاج هذا العلم من المعقولات والعاقلتين النظرية والعلمية ، والإنسان يتساءل عادة : لماذا توجد الحياة على الأرض ولا توجد على الكواكب الأخرى كما تبين في علوم الفضاء الحديثة . . ولماذا يعقل الإنسان وهو أفضل المخلوقات ، وهو ليس سوى مخلوق مثلها ؟ فسواء آمن الإنسان أم لم يؤمن فهو مضطر إلى التسليم بوجود العقل والعاقل والمعقول ، فإن آمن رد العقل إلى اللّه باعتباره العقل والعاقل والمعقول ، أي أن الوجود العياني فتق عقل مرتق ، وإن لم يؤمن ظل في دوامة السؤال : هذا العقل كيف تكون ، ولماذا كان الإنسان عاقلا والحيوان غير عاقل ، ولماذا يتصرف الحيوان غير العاقل وفق غريزة تكشف عن أنها عقل وعقل منظم مبرمج ؟ [ سورة النمل ( 27 ) : آية 61 ] أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) [ النمل : 61 ] الأرض قرار العلوم ، ولهذا يعد الإنسان أيضا أرضا ، والأنهار التي جعلت خلال هذه الأرض تفجر العلوم في عقل الإنسان نفسه وهو فعل إلهي سنفصل الكلام فيه في موضع آخر ، والرواسي الكليات التي يرتد إليها كل محسوس ويتكئ ، وبيّن هيجل أن هذه المحسوسات ما هي إلا كليات ، وأنها في حقيقتها كماديات أثر بعد عين ، والحاجز بين البحرين العقل نفسه فلقد بينا أن الوجود وجودان مادي وروحي ، والإنسان هو الجسر الممدود بين الوجودين ، ولهذا كان صورة إلهية وخليفة اللّه في الأرض ، فالحاجز هذا الكيان الإنسي الذي جمع عقله بين الظهور والبطون فكان ظهورا للبطون وكان بطنا للظهور . وقوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [ النّمل : الآية 60 ] يعني أن هذه الصورة الإلهية المسماة آدم هي اللّه ظهورا ، وهذا ما أكدته أعلام الصوفية باعتبار الإنسان اسم اللّه الظاهر ، وأنه لا إله إلا اللّه . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 62 ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) [ النمل : 62 ] المضطر الواقف بالباب داعيا سائلا راجيا اللّه أن يرزقه رزق الآخرة وهو العلم وكشف الأسرار ، واللّه سبحانه ينزل ماء العلوم بقدر سعة الصدور . وكشف السوء رفع الضر وكشفه ، وهو جواب سؤال المضطر وذي الحاجة ، إذ الإنسان في سوء حتى يجتبيه ربه ويهديه سبله فيصبح الإنسان من ثم خليفة ، وقليل من المفسرين من أدركوا